الكاتب : د حارث بن علي العسيري
اعتدنا أن نربط التقدّم في العمر بعدد السنين، فإذا تجاوز الإنسان الستين أو السبعين قيل: كَبِر، وإذا كان في الخامسة عشرة أو العشرين قيل: ما زال صغيرًا. لكن الحقيقة التي لا نحب سماعها أن العمر لا يُقاس بالسن، بل بالأثر. قد يكون شاب في العشرين وقد شاخ قلبه، وقد يكون رجل في الستين وما زال في بداياته. فالتقدّم في العمر ليس لحظة زمنية، بل حالة داخلية؛ إما أن تتقدّم في الوعي، أو تتأخر وأنت تمشي للأمام.
التقدّم الحقيقي لا يُقاس بما مرّ من سنوات، بل بما قدّمته خلالها. اسأل نفسك بصدق: ماذا قدّمت لنفسك علمًا ووعيًا وصحة؟ ماذا قدّمت لعائلتك حضورًا وأمانًا وقدوة؟ ماذا قدّمت لمجتمعك أثرًا أو فكرة أو خدمة؟ ماذا فعلت بجسدك، هل احترمته أم استهلكته؟ وماذا فعلت بعقلك، هل غذّيته أم تركته فارغًا؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إجابات تُقال، بل إجابات تُرى في طريقة عيشك.
كثيرون يجلدون أنفسهم على ما فات من الوقت، ويكررون عبارات من نوع: “ضاع عمري” أو “تأخرت كثيرًا”. لكن المشكلة الحقيقية ليست في فوات الوقت، بل في تضييع ما تبقّى منه. الماضي انتهى، لكن الحاضر ما زال يمنحك فرصة، ولو بقي يوم واحد. التأنيب الحقيقي ليس على الأمس، بل على أن تكرر نفس الإهمال اليوم.
أقولها من موقع تجربة لا تنظير: أنا ابن الستين، وما زلت أحب العلم، وأحب التعلم، وأحب الشهادات، وأحب تطوير نفسي. ليس لأن الشهادة ورقة، بل لأن التعلم حياة. العقل الذي يتوقف عن التعلم يبدأ بالموت، ولو كان صاحبه في ريعان الشباب. والإنسان الذي يقول: “كبرت على هذا”، قد كبر فعلًا، لكن ليس في العمر، بل في الإستسلام.
التقدّم في العمر ليس عذرًا، بل مسؤولية. لكل مرحلة واجبها؛ في الصغر تبني الأساس، وفي الشباب تجرّب وتتعلم، وفي منتصف العمر تُنتج وتتحمّل، وفي الكهولة تُعلّم وتُنضج وتترك أثرًا. العذر الوحيد غير المقبول في كل المراحل هو أن تقول: “لم أعد قادرًا”، وأنت لم تحاول أصلًا.
ولمن يسأل: كيف أبدأ الآن؟ الجواب أبسط مما نتخيل. راجع نفسك بصدق دون تجميل، وحدد أين أنت لا أين كنت تتمنى. اختر محورًا واحدًا فقط للتغيير؛ صحة، علم، عمل، فكر. ضع هدفًا واقعيًا يمكن الإستمرار عليه، والتزم بالقليل الدائم لا بالكثير المنقطع. احترم وقتك، فمن لم يحترم وقته لن يحترمه أحد. لا تنتظر الحماس، ابدأ، والحماس سيلحق بك في الطريق.
عندما يتقدّم بنا العمر لا يُسأل الإنسان: كم سنة عشت؟ بل يُسأل: كيف عشت؟ فإن كنت في الخامسة عشرة فابدأ مبكرًا، وإن كنت في الستين فابدأ الآن. فالعمر لا يعتذر، لكنه يمنح الفرصة… مرة واحدة في كل يوم.
.jpg)
.jpg)



.jpg)

.jpg)




.jpg)

.jpg)
.jpg)










































.jpg)


.jpg)
.jpg)