.

منذ 1 يوم 0 29 0
نغدو خماصًا… لكننا لا نعود بطانًا .
نغدو خماصًا… لكننا لا نعود بطانًا .

 

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ﴾

 

لم تكن الآية عابرة كما ظننت…

مرّت بي طويلًا، حتى حسبتُها من الآيات التي تُقرأ ولا تُعاش،

حتى وقفت.

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ من سورة البقرة .

 

هنا… عند أول كلمة، أدركت أني أمام ابتلاءٍ عظيم لم نُحسن فهمه.

 

لم يُقدَّم الخوف في الآية عبثًا،

بل لأنه أخفى ما يُصيب الإنسان… وأشدّه أثرًا.

 

فهو لا يُرى،

لكنه يتسلل في تفاصيل يومنا حتى يسرق أعظم نعمة نملكها دون أن نشعر: الأمان.

 

نعيشه… ونحن نظن أننا بخير،

نمارس حياتنا بقلوبٍ قلقة،

نُنجز، نسعى، نلتزم…

لكن شيئًا في الداخل لا يهدأ.

 

ذلك هو الخوف…

الإبتلاء الذي لا يُعلن نفسه، لكنه يُرهقنا بصمت.

 

وهذا الخوف ليس دائمًا خوفًا مرعبًا مباشرًا، بل له صور طبيعية نعيشها دون أن ننتبه؛ فمِن الخوف الطبيعي أن يقف قلب الإنسان على باب غرفة العناية وهو ينتظر من يحب، أو أن يرافقه القلق داخل أروقة المستشفى، أو أن يعيش مرارة الفقد فيبقى خوف الغياب ساكنًا في داخله فترة من الزمن، أو أن يشتد عليه الهلع في أوقات الحروب والأزمات. كلها مشاعر إنسانية فطرية، لكنها تدخل في معنى الإبتلاء الذي يمسّ القلوب؛ لا ليكسرها، بل ليهذبها ويعيدها إلى ربها صابرة مطمئنة، ويُؤجر عليها العبد حين يثبت ويحتسب.

 

نراه في موظفٍ مجتهد،

يبذل كل ما يستطيع،

ومع ذلك يعيش قلقًا لا يليق به،

يترقب نظرة مدير،

كأن اجتهاده لا يكفي ليمنحه الطمأنينة،

لأنه وُضع تحت عينٍ لا ترى إلا النقص،

مديرٌ يريد الكمال وكأن الزوايا يجب أن تكون مئةً وثمانين درجة بلا انحراف،

نسي أن الكمال لله وحده،

فزرع الخوف بدل الأمان.

 

وفي الجهة الأخرى…

موظفٌ مقصّر،

يعيش هلعًا دائمًا،

تطارده أخطاؤه،

فيجتمع عليه تقصيره… وخوفه.

 

ويمتد هذا الإبتلاء…

حين يُزرع من جديد.

 

في معلمٍ لا يرى إلا الخطأ،

يحسبه، يدقّق فيه، يُعاقب عليه،

بينما الصواب يمرّ مرور الكرام،

فلا يُشكر، ولا يُذكر.

 

فينشأ التلاميذ…

لا حبًا في العلم،

بل خوفًا من الزلل،

تلاميذ يُتقنون القلق أكثر من إتقانهم للفهم،

يعيشون تحت ميزانٍ مختل:

الخطأ محسوب…

والصواب مهدور.

 

ولا تقف الدائرة هنا…

بل تمتد إلى البيت،

حيث أمٌ لا ينقصها العطاء،

لكنها تُرهق روحها بسعيٍ لا ينتهي نحو الكمال،

تخاف أن تُخطئ، أو تُقصّر،

فتفقد لذة ما تفعل… وهي تفعله بإخلاص.

 

وتلكَ امرأةٌ تصبر على زوجٍ صعبِ العِشرة،

لا لأن قلبها يحتمل كل هذا الثقل…

بل خوفًا من كلمة “مطلّقة”،

ومن حديث مجتمعٍ لا يرحم.

 

وفي الجهة الأخرى…

رجلٌ يصبر على زوجةٍ صعبةِ المعاشرة،

لا لأنه عاجز عن القرار،

بل خوفًا من أن يُوصم بفشلٍ في حياته الزوجية.

 

وهكذا…

ينتقل الخوف،

لا كحدثٍ عابر،

بل كبيئةٍ كاملة نعيش داخلها.

 

حتى يبدو وكأنه جزءٌ منّا،

صفةٌ نُولد بها… لا ابتلاءٌ نمرّ به.

 

مع أنه—في حقيقته—

ليس إلا عابرًا،

يأتي في أوقاتٍ معينة،

ويمضي…

ولا خُلق ليكون مقامًا دائمًا في قلوبنا.

 

حتى في أبسط تفاصيلنا:

نذهب للنادي… لا حبًا في العافية، بل خوفًا من المرض.

ندخل اختباراتنا… لا بثقة الجهد، بل برهبة النتيجة.

نركض في حياتنا… لا لأننا متأخرون، بل لأننا لم نتعلم كيف نطمئن.

 

فنعيش أيامنا بين سعيٍ مستمر…

وقلقٍ لا ينتهي،

وكأن الأمان أصبح شيئًا مفقودًا بين تفاصيلنا اليومية.

 

ثم تتكشف صورة أخرى من هذا الخوف…

 

تاجرٌ كبير…

يمتلك ما بناه عبر سنين،

لكن قلبه لا يعرف السكون،

يلاحقه خوفٌ صامت من بين تاجرٍ صغيرٍ جديد يدخل السوق،

لا يملك شيئًا بعد،

سمكته صغيرة في بحرٍ مليء بالحيتان،

لا يدري هل ستكبر أم تذوب مع الموج،

ومع ذلك… قد يُربك وجوده حسابات الكبار.

 

فيصبح الكبير خائفًا من الصغير،

والقوي مشغولًا بما لم يحدث بعد،

والسوق—كما الحياة—يمتلئ بأعينٍ لا تهدأ،

تراقب بدل أن تطمئن،

وتحسب بدل أن تسكن.

 

وهنا يتضح المعنى…

 

أن الخوف ليس مجرد شعور…

بل ابتلاءٌ عظيم،

إذا سكن القلب، سلبه راحته،

وحوّل الحياة بكل ما فيها إلى عبءٍ خفي.

 

وأن أعظم ما نفتقده…

ليس المال، ولا الكمال،

بل الأمان.

 

ذلك الأمان الذي لا تصنعه الظروف،

ولا يفرضه الناس،

بل يُولد حين يستقر في القلب معنى التوكل.

 

الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني .


 

أن نسعى… دون أن نرتعب،

أن نبذل… دون أن نُرهق أرواحنا،

أن نُحسن… ثم نهدأ.

 

أن نؤمن أن ما كُتب لنا سيأتينا،

وأن ما لم يُكتب… لن نصله مهما خفنا.

 

لسنا مطالبين بالكمال،

بل بالسعي الصادق.

لسنا مطالبين بأن لا نخطئ،

بل أن لا نُقيم في الخوف.

 

ثم نصل إلى المعنى الذي يهدّئ القلب:

 

الخوف في حقيقته ليس مقامًا دائمًا، بل نوعٌ من الإبتلاءات التي تمرّ بالإنسان كما تمرّ سائر الإبتلاءات؛ تأتي في أوقاتٍ معينة، وتُقاس بظروفها، لا تُسكن تفاصيل الحياة كلها. يُبتلى به العبد في لحظات، ثم يُدعى للصبر والتوكل، فيُؤجر عليه، ويزول حين يطمئن القلب ويستقر.

 

وهنا تتجلى رحمة الله في ختام الآية:

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ من سورة البقرة

كأنها إشارة واضحة أن هذا الخوف ليس حياةً دائمة للإنسان، بل ابتلاءٌ مؤقت، من صبر عليه لم يذهب شعوره سدى، بل كان له فيه أجرٌ وبشارة، حتى يتحول الألم إلى عبورٍ لا إقامة.

 

ثم نصل إلى السكينة:

 

قال ﷺ إن الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا،

تخرج جائعة، لا تحمل همّ رزقها،

ولا تقف عند سؤال: ماذا سأجد في هذا العالم الواسع؟

بل تسعى… فيكفيها الله.

 

تغدو… فتسعى،

وتروح… فتكتفي.

 

لم يُمسكها خوف،

لأنها لم تحمل إلا فطرتها: السعي ثم التوكل.

 

وهكذا يتعلم القلب:

أن الطمأنينة ليست غياب المخاوف،

بل عدم الإقامة فيها.

 

فلعلّ أعظم ما تُعلّمنا إياه الآية،

أن الخوف ليس مقامًا يُعاش، بل ابتلاءٌ يمرّ… لا وطنٌ يُسكن.

وأن الأمان لا يُنتزع من العالم، بل يُستعاد من الداخل حين يطمئن القلب لما كتبه الله.

فليس الخوف ما يختبرنا… بل ما نسمح له أن يُقيم فينا .

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

ابراهيم حكمي
المدير الفني
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق

بلوك المقالات

.

.

أخبار الدوري المصري

آراء الكتاب

آراء الكتاب 2

جمعه الخياط جمعه الخياط
صحفي في قسم اخبار محلية, رئيس مجلس ادارة بوابة اصداء عكاظ الالكترونية
هلال الباحة يقيم وجبة سحور وتكريم سفراء الحياة والمتقاعدين والمتطوعين والمتطوعات
2026-02-26   
تغريد احمد تغريد احمد
صحفي في قسم مقال وقصة, مراسلة ومدير قسم النشر بصحيفة اصداء عكاظ الالكترونيه
معلم اخلاق ومحبة قبل ان يكون معلم مادة
2019-07-05   
غاليه الحربي غاليه الحربي
صحفي في قسم اخبار محلية, مالكة والمدير العام الصحيفة اصداء عكاظ الالكترونية أديبة وكاتبة ومنظمة فعاليات
الاحتفال السنوي لصحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية
2024-09-09   
حسام المدير حسام المدير
صحفي في قسم صحة, المدير الفني للصحيفة ، جازان ، بكالريوس حاسب الي من جامعة الملك خالد ، نظام معلومات
صامدون صامدون..
2020-03-28   
سلوى كاملي سلوى كاملي
صحفي في قسم اخبار محلية, محررة وناشرة بصحيفة اصداء عكاظ الالكترونية/خريجة صحافة واعلام
عمدة الريث يحتفي بمدير الشرطة القرادي بمنزله بحي الملاذة
2019-12-13   
احمد جعفر احمد جعفر
صحفي في قسم افراح وتهاني, محرر وناشر بصحيفة اصداء عكاظ الالكترونية
تهنئة الزميل يحيى ابراهيم مدخلي على تخرجه من جامعة جازان فألف مبروك
2018-12-26   
يحي مدخلي يحي مدخلي
صحفي في قسم صحة, محرر وناشر بصحيفة أصداء عكاظ الالكترونية
السعودي الالماني بجدة يفتتح مركز مناظير الجهاز الهضمي والكبد
2018-11-11   
احمد دغريري احمد دغريري
صحفي في قسم مناسبات وفعاليات , مدير العلاقات العامة واليوتيوب
دكتور المليص يهنيء الوطن بيوم الوطن
2023-09-23   
علي مسملي علي مسملي
صحفي في قسم اخبار محلية, مدير تحرير صبيا ونائب مدير عام النشر ونائب مدير العلاقات العامة ومدير التحرير بصبيا في شبكة نادي الصحافة السعودي
شركة تعرض منتجات غذائية منتهية الصلاحية بنجران والتجارة تتفاعل
2021-05-27   
ايجانما اكاديمية تدريب فريق ااكاديمية
صحفي في قسم تعليم, اكاديمية الصحافة الالكترونية والاعلام الجديد المسؤولة عن تدريب فريق الصحيفة
أول دبلوم صحافة الكترونية في المملكة نظمته ايجانما وتخرج منه 7 متدربين ومتدربات
2020-09-10   
مرام محمد مرام محمد
صحفي في قسم افراح وتهاني, منسقة ومسوقة وناشرة الصحيفة
سلطان يضئ منزل الأستاذ فيصل بن علي معرجي حمدي
2021-11-11   
ميار علي ميار علي
صحفي في قسم اخبار محلية, مشرفة النشر والتنسيق _محافظة جدة
نشوب حريق.. "التجارة" تستدعي مركبة من هذا النوع
2020-10-23