.

منذ 2 ساعة 0 7 0
﴿فَقَدْ فَازَ﴾. ...!!
﴿فَقَدْ فَازَ﴾. ...!!

 

﴿فَقَدْ فَازَ﴾. ...!!


 

"اللهُ لا يخذلُ قلبًا احتمى به، ولا يُضيعُ روحًا مشت إليه متعبةً ثم قالت: يا رب."

 

 

ليستِ السعادةُ تلك التي يضعها الناسُ في إعلانٍ لامع، ولا تلك التي تُقاسُ بعدد الضحكات في الصور، ولا بحجم الرصيد، ولا بطول السفرات، ولا بعدد الذين يصفقون لك وأنت تمشي فوق خشبة الحياة كأنك بطلٌ خالد.

فكم من إنسانٍ ضحك حتى ظن الناس أن قلبه حديقة، بينما كان في داخله مقبرةً مؤجلة... وكم من رجلٍ نام على وسادةٍ حريرية لكنه استيقظ مفزوعًا لأن روحه كانت أفقر من متسوّلٍ يجلس على الرصيف ويقول: الحمد لله.

الدنيا بارعةٌ في الخداع... تبيع البشرَ أوهامًا مذهبة، ثم تتركهم في آخر الليل يتفقدون أرواحهم كما يتفقد الناجونُ أسماءهم بعد الحروب.

ولهذا جاء التعريفُ الإلهيُّ النهائيُّ للسعادة، لا تعريفَ فلاسفة المقاهي، ولا كتّاب التنمية الذين يبيعون الطمأنينة بالتقسيط، بل تعريفٌ نزل من عند الله العظيم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي بيده النجاة كلها، والذي لا سعادةَ إلا بقربه، ولا نجاةَ إلا برحمته، قال سبحانه في رسم المصحف المدني:

﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾

[آل عمران: 185]

يا لروعة هذا الاختصار المهيب...

لم يقل: فقد امتلك.

لم يقل: فقد اشتهر.

لم يقل: فقد انتصر على الناس.

بل قال: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾.

كأن الله سبحانه يهمس للبشر جميعًا:

اهدؤوا قليلًا... أنتم تتقاتلون على أشياء ستترككم أو تتركونها، بينما الفوز الحقيقي هناك، عند النجاة التي يمنحها الله لعباده برحمته ولطفه وهدايته.

كان الحسن البصري رحمه الله يقول: “ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجلٍ نام ثم استيقظ.”

ولهذا ترى بعض الناس يركضون خلف الدنيا كأنهم سيعيشون ألف عام، ثم يغضب أحدهم إن تأخرت قهوته خمس دقائق، بينما الموت يقترب منه بهدوءٍ أشد من اقتراب الليل من النوافذ.

وفي زماننا الحديث، حدثت قصةٌ مؤثرة لرجلٍ أعمالٍ عربي، كان يملك من الأموال ما يجعل الناس يحسدونه على مجرد يومٍ من حياته. سيارات، شركات، سفر، شهرة، وصورٌ يبتسم فيها كأنه يملك الأرض وما عليها.

لكن الرجل سقط فجأةً في أزمةٍ صحية، ودخل العناية المركزة أيامًا طويلة. وبعد خروجه ظهر في لقاءٍ متلفز وقال عبارةً هزّت كثيرين:

“أقسم بالله أنني داخل العناية تمنيت فقط أن أستطيع السجود دون ألم... لأول مرة فهمت أن الحياة ليست كما كنت أظن.”

هكذا يوقظ الله عباده بلطفه أحيانًا... لا ليعذبهم، بل لينقذ أرواحهم من الغرق في الوهم.

فالله سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم، وهو جل جلاله لا يفتح باب التوبة إلا لأنه يريد النجاة لعباده، ولا يذكّرهم إلا لأنه يحب أن يرحمهم، ولا يبتليهم إلا بحكمةٍ يعلمها سبحانه، وهو الحكيم العليم، الرحمن الرحيم، الذي لا يُسأل عما يفعل لكمال حكمته وعدله ورحمته.

قال رسول الله ﷺ:

«عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»

رواه مسلم.

ولهذا كان الصالحون أكثر الناس طمأنينة رغم قلة ما بأيديهم، لأن قلوبهم لم تكن معلقةً إلا بالله.

وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: “أصبحتُ وما لي سرورٌ إلا في مواقع قدر الله.”

ولم يكن ذلك ضعفًا، بل قمة القوة؛ لأن الذي يعرف الله حقًا لا ينهار كلما اهتزّت الدنيا حوله.

حتى الفلاسفة الذين أرهقتهم الحياة أدركوا هذه الحقيقة متأخرين.

فهذا تولستوي يقول: “السعادة الحقيقية لا تحتاج ضجيجًا.”

وقال سيوران ساخرًا من أوهام البشر: “كلُّ إنسانٍ يظن أن تعاسته سببها أنه لا يملك ما عند الآخرين.”

أما غاندي فقال عبارته الشهيرة: “السعادة عندما ينسجم ما تفكر به مع ما تقوله وما تفعله.”

لكن المؤمن يدرك ما هو أعمق من ذلك كله... يدرك أن السعادة الحقيقية هي أن يرضى الله عنك، وأن تنجو يوم يفشل كل شيء إلا رحمة الله.

ويا للعجب...

كم من إنسانٍ بسيطٍ لا يملك إلا قوت يومه، لكنه يضحك من قلبه لأنه يعرف ربّه جيدًا، وكم من مشهورٍ يملك الدنيا ثم يبتلع الحبوب المنومة كأنه يحاول إقناع عقله بالنوم بعد أن عجزت الأموال عن إقناع روحه بالراحة.

إنها المفارقة الساخرة التي تجعل الحياة أحيانًا تبدو كفيلمٍ طويلٍ يركض فيه الجميع نحو السراب، بينما المؤمن الهادئ يجلس مطمئنًا لأنه عرف الطريق الحقيقي.

عرف أن الله وحده هو الأمان، وأن التعلق بغيره تعب، وأن الركض خلف رضا الناس حفرةٌ بلا قاع، وأن النجاة كل النجاة في قلبٍ يقول كل يوم: يا رب... لا تتركني لنفسي.

ولذلك فإن أعظم نعمةٍ قد يمنحها الله لعبدٍ ليست المال، ولا الشهرة، ولا النفوذ... بل الهداية والثبات والرحمة وحسن الخاتمة.

أن يراك الله وأنت تحاول، وتتعثر، ثم تعود إليه، فيغفر لك بلطفه وكرمه وجوده.

أيُّ شرفٍ أعظم من عبدٍ يحبه الله؟

وأيُّ فوزٍ أكبر من روحٍ نجت برحمة الله من النار ثم أُدخلت الجنة؟

في النهاية...

ستنطفئ أصوات العالم كلها، وستسقط الألقاب، وستذوب المقارنات، وسيفهم الجميع متأخرين أن الحياة لم تكن سباقًا على جمع الأشياء، بل رحلةً قصيرة للبحث عن رضا الله.

وهناك فقط... عند النهاية الحقيقية، سيعرف البشر معنى السعادة كما أرادها الله، لا كما باعتها الدنيا.

﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾

وما أعظمها من نهاية... حين يقول الله لعبدٍ متعبٍ صبر طويلًا: نجوت.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

ابراهيم حكمي
المدير الفني
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق

بلوك المقالات

.

.

أخبار الدوري المصري

آراء الكتاب

آراء الكتاب 2

جمعه الخياط جمعه الخياط
صحفي في قسم اخبار محلية, رئيس مجلس ادارة بوابة اصداء عكاظ الالكترونية
هلال الباحة يقيم وجبة سحور وتكريم سفراء الحياة والمتقاعدين والمتطوعين والمتطوعات
2026-02-26   
تغريد احمد تغريد احمد
صحفي في قسم مقال وقصة, مراسلة ومدير قسم النشر بصحيفة اصداء عكاظ الالكترونيه
معلم اخلاق ومحبة قبل ان يكون معلم مادة
2019-07-05   
غاليه الحربي غاليه الحربي
صحفي في قسم اخبار محلية, مالكة والمدير العام الصحيفة اصداء عكاظ الالكترونية أديبة وكاتبة ومنظمة فعاليات
الاحتفال السنوي لصحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية
2024-09-09   
حسام المدير حسام المدير
صحفي في قسم صحة, المدير الفني للصحيفة ، جازان ، بكالريوس حاسب الي من جامعة الملك خالد ، نظام معلومات
صامدون صامدون..
2020-03-28   
سلوى كاملي سلوى كاملي
صحفي في قسم اخبار محلية, محررة وناشرة بصحيفة اصداء عكاظ الالكترونية/خريجة صحافة واعلام
عمدة الريث يحتفي بمدير الشرطة القرادي بمنزله بحي الملاذة
2019-12-13   
احمد جعفر احمد جعفر
صحفي في قسم افراح وتهاني, محرر وناشر بصحيفة اصداء عكاظ الالكترونية
تهنئة الزميل يحيى ابراهيم مدخلي على تخرجه من جامعة جازان فألف مبروك
2018-12-26   
يحي مدخلي يحي مدخلي
صحفي في قسم صحة, محرر وناشر بصحيفة أصداء عكاظ الالكترونية
السعودي الالماني بجدة يفتتح مركز مناظير الجهاز الهضمي والكبد
2018-11-11   
احمد دغريري احمد دغريري
صحفي في قسم مناسبات وفعاليات , مدير العلاقات العامة واليوتيوب
دكتور المليص يهنيء الوطن بيوم الوطن
2023-09-23   
علي مسملي علي مسملي
صحفي في قسم اخبار محلية, مدير تحرير صبيا ونائب مدير عام النشر ونائب مدير العلاقات العامة ومدير التحرير بصبيا في شبكة نادي الصحافة السعودي
شركة تعرض منتجات غذائية منتهية الصلاحية بنجران والتجارة تتفاعل
2021-05-27   
ايجانما اكاديمية تدريب فريق ااكاديمية
صحفي في قسم تعليم, اكاديمية الصحافة الالكترونية والاعلام الجديد المسؤولة عن تدريب فريق الصحيفة
أول دبلوم صحافة الكترونية في المملكة نظمته ايجانما وتخرج منه 7 متدربين ومتدربات
2020-09-10   
مرام محمد مرام محمد
صحفي في قسم افراح وتهاني, منسقة ومسوقة وناشرة الصحيفة
سلطان يضئ منزل الأستاذ فيصل بن علي معرجي حمدي
2021-11-11   
ميار علي ميار علي
صحفي في قسم اخبار محلية, مشرفة النشر والتنسيق _محافظة جدة
نشوب حريق.. "التجارة" تستدعي مركبة من هذا النوع
2020-10-23